الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عبده المصطفى
شرع الله تعالى لعباده الكثير من العبادات والطاعات والقربات التي يستطيعون بأدائها وممارستها -بالصورة التي وضعها الشارع سبحانه- أن يرتقوا بأرواحهم ويسموا بأنفسهم، ومن أجـــلّ هذه الطاعات وتلك القربات: سنة الاعتكاف التي يتفرغ فيها المرء للجد والاجتهاد في العبادة، منصرفًا بها عن مشاغل الدنيا وضجيجها ومفاتنها، ليخلو فيها بربه فيُناجيه ويناديه ويدعوه ويرجوه؛ فترق روحه ويصفو قلبه وتسمو نفسه، وتخشع جوارحه. إنها سُنّة الاعتكاف التي داوم عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف كل رمضان عشرة أيام؛ فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يومًا) رواه البخاري كما اعتكف أزواجه من بعده كما روى البخاري ومسلم عن عائشة رَضي الله عنها .
الاعتكاف فرصة كبرى للدعاة:
وإن كان الاعتكاف فرصة للمسلم يتفرغ فيها للعبادة وللارتقاء بإيمانه؛ فهو فرصة كبرى للدعاة والمربين للارتقاء بالمستوى الإيماني والتعبدي –وغيرهما- لدى من يدعونهم، أو يربونهم، فهو مجال خصب يمكن عند حسن استغلاله أن يأتي بنتائج طيبة، فالمسلم مهيء في زمن الاعتكاف أكثر من أي وقت آخر لقبول الخير، والعمل بالنصح، والاستجابة للتوجيهات، والتافس في الطاعات، والبعد عن الذنوب وترك المنكرات، كيف لا و الجميع يعيش أحلى الأوقات، ويحيا فيها في ظلال القرآن، فالكل مقبل على العبادة بروح عالية، و يشعر بلذة الطاعة، ويستشعر حلاوة الإيمان، ويتذوق جمال التكاتف لمجاهدة النفس ومحاربة الشيطان.
فليحاول كل منا المحافظة على سنة الاعتكاف والاستفادة منه في الارتقاء بالمستوي الروحي والتعبدي للمعتكف، ولزيادة الجرعة الإيمانية، والتي تنفعه فيما بعد وتكون كالزاد لبقية العام، مع الشعور بقوة الإرادة عند النجاح في تربية النفس وتهذيبها، وكبح شهواتها.
وللاعتكاف شروط وآداب ومبطلات ومباحات ، ومكروهات ومستحبات. ونبدأ أولا ببيان معنى الاعتكاف:
معنى الاعتكاف: الاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه ، سواء أكان خيرًا أم شَرًّا،
في الخير قال تعالى :(والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد) سورة الحج : 25
وقال أيضا وطهر بيتي للطائفين والقائمين ) سورة الحج
وفي الشر قال تعالى: (ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها عَاكِفون ) سورة الأنبياء : 52 ، أي مُقيمون على عبادتها.
و معنى الاعتكاف شرعا لزوم المسجد والإقامة فيه بغية التقرب إلى الله عز وجل.
مشروعية الاعتكاف:
أجمع العلماء على مشروعية الاعتكاف، فقد ذكر الاعتكاف في آيات الصيام عند قوله تعالى “ولا تقربوهن وأنتم عاكفون في المساجد”سورة البقرة، وما رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم e أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وأما في العام الذي قُبض فيه عليه الصلاة والسلام اعتكف عشرين يوما” كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
حكم الاعتكاف:
فالاعتكاف قربة وطاعة وسنة ويؤكد عليه في رمضان خصوصاً في العشر الأواخر لأن فيها ليلة القدر ولا يجب إلا بالنذر.
شروط الاعتكاف:
أما شروط الاعتكاف فهي ست: الإسلام والعقل و التمييز و النية، و الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس.
أما الإقامة أو المكث في المسجد فهو ركن الاعتكاف.
مستحبات الاعتكاف:
الإكثار من الطاعات كالصلاة و الإقبال على قراءة القرآن بتدبر وتأمل، مع توفر النية لعلاج التقصير في التمسك بكتاب الله تعالى والعمل به والتحاكم إليه والاستشفاء به، وأيضا الندم على ما فات من ذنوب أو مخالفات، والعزم على عدم العودة، وتدريب النفس على التحصن بالأدعية والأذكار والإكثار من الاستغفار.
وأيضا قراءة كتب أهل العلم أو الاستماع إلى الدروس والمواعظ. وينبغي اجتناب ما لا يعنيه من الأقوال فيجتنب الجدال والمراء والسباب ونحو ذلك والغيبة والنميمة. ويستحب أن يلزم مكانا في المسجد، ويستحب أن يكون في مسجد جامع تقام فيه صلاة الجمعة،؛ حتى لا يخرج من المسجد لغير حاجة.
ما يباح للمعتكف:
1. - الخروج لحاجته التي لا بد منها كقضاء الحاجة، وكالتداوي إن كان مريضا، وكأداء صلاة الجمعة إذا اعتكف في مسجد جماعة فقط لا تقام فيه صلاة الجمعة.
2. -له أن يأكل ويشرب في المسجد وينام فيه بشرط المحافظة على نظافته وصيانته.
3. - الكلام المباح لحاجته.
4. - ترجيل شعره وتقليم أظفاره وتنظيف بدنه ولبس أحسن الثياب والتطيب بالطيب.
ما يكره للمعتكف: البيع والشراء، و الكلام بما فيه إثم، الصمت عن الكلام مطلقا إن اعتقده عبادة.
مبطلات الاعتكاف:
1-الخروج من المسجد عمدا لغير حاجة ولو قل . 2. الجماع. 3. ذهاب العقل بجنون أو سكر. 4. الحيض والنفاس للمرأة لفوات شرط الطهارة. 5. الردة، أعاذنا الله وإياكم منها.
بداية الاعتكاف ونهايته:
متى دخل المعتكف المسجد ونوى التقرب إلى الله بالمكث فيه صار معتكفا حتى يخرج، فإن نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان فإنه يدخل معتكفه قبل غروب شمس ليلة الحادي والعشرين أو ليلة العشرين من رمضان، ويخرج بعد غروب الشمس لآخر يوم من الشهر، أي ليلة العيد.



















